فخر الدين الرازي

377

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

هي العلم والمعرفة ، وقوله : فَهَدَى اللَّهُ نص في أن الهداية حصلت بفعل اللّه تعالى ، فدل ذلك على أن الإيمان مخلوق للّه تعالى . واعلم أن هذا الوجه ضعيف لأنا بينا أن الهداية غير ، والاهتداء غير ، والذي يدل هاهنا على أن الهداية لا يمكن أن تكون عبارة عن الإيمان وجهان الأول : أن الهداية إلى الإيمان غير / الإيمان كما أن التوفيق للإيمان غير الإيمان والثاني : أنه تعالى قال في آخر الآية : بِإِذْنِهِ ولا يمكن صرف هذا الإذن إلى قوله : فَهَدَى اللَّهُ إذ لا جائز أن يأذن لنفسه فلا بد هاهنا من إضمار ليصرف هذا الإذن إليه ، والتقدير : فهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق فاهتدوا بإذنه ، وإذا كان كذلك كانت الهداية مغايرة للاهتداء . المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن اللّه تعالى قد يخص المؤمن بهدايات لا يفعلها في حق الكافر ، والمعتزلة أجابوا عنه من وجوه أحدها : أنهم اختصوا بالاهتداء فجعل هداية لهم خاصة كقوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] ثم قال : هُدىً لِلنَّاسِ * وثانيها : أن المراد به : الهداية إلى الثواب وطريقة الجنة وثالثها : هداهم إلى الحق بالألطاف . المسألة الثالثة : قوله : لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أي إلى ما اختلفوا فيه كقوله تعالى : يَعُودُونَ لِما قالُوا [ المجادلة : 3 ] أي إلى ما قالوا ويقال : هدايته الطريق وللطريق وإلى الطريق . فإن قيل : لم قال فهداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، ولم يقل : هداهم للحق فيما اختلفوا وقدم الاختلاف ؟ والجواب من وجهين الأول : أنه لما كانت العناية بذكر الاختلاف لهم بدأ به ، ثم فسره بمن هداه الثاني : قال الفراء : هذا من المقلوب ، أي فهداهم لما اختلفوا فيه . المسألة الرابعة : قوله : بِإِذْنِهِ فيه وجهان أحدها : قال الزجاج بعلمه الثاني : هداهم بأمره أي حصلت الهداية بسبب الأمر كما يقال : قطعت بالسكين ، وذلك لأن الحق لم يكن متميزا عن الباطل وبالأمر حصل التمييز فجعلت الهداية بسبب إذنه الثالث : قال بعضهم : لا بد فيه من إضمار والتقدير : هداهم فاهتدوا بإذنه . أما قوله : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فاستدل الأصحاب به معلوم ، والمعتزلة أجابوا من ثلاثة أوجه أحدها : المراد بالهداية البيان ، فاللّه تعالى خص المكلفين بذلك والثاني : المراد بالهداية الطريق إلى الجنة الثالث : المراد به اللطف فيكون خاصا لمن يعلم أنه يصلح له وهو قول أبي بكر الرازي . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 214 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 ) في النظم وجهان الأول : أنه تعالى قال في الآية السالفة : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ : والمراد أنه يهدي من يشاء إلى الحق وطلب الجنة فبين في هذه الآية أن ذلك الطلب لا يتم ولا يكمل إلا باحتمال الشدائد في التكليف فقال : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ الآية الثاني : أنه في الآية السالفة ما بين أنه هداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه بين في هذه الآية أنهم بعد تلك